الشيخ داود الأنطاكي
128
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
ولم يصعد غذاء إلى الأعلى . والأمران باطلان . وقال محققو الفلاسفة : جميع افعال البدن صادرة عن قوى مختلفة باختلاف الأفعال ، فالطبيعة فاعلة فيما يتعلق بالغذاء ، والدليل على وجود المجاذبة منها أخذ المعدة الغذاء إذا ابتلعه منكوس ؛ لانتفاء الحركة الإرادية والطبيعية حينئذ ، ومشاهدة المعدة في قصار المرئ كالتمساح وعند شدة الشاهية ووجود الحلو يخرج اخراً بالقيء بعد ما أكل فوق أغذية كثيرة ، والاحساس يجذب ذكر المجامع إذا كان الرحم نقياً وتميز الاخلاط في كل عضو وعلى الماسكة انطباق المعدة على الغذاء عند اخذه والرحم على المني وكراهة قبول الغذاء بعد الاعراض عنه وعدم خروجه بالسرعة ، وعلى الدافعة الحركة إلى فوق وقت القيء وإلى أسفل وقت البراز وعلى الهاضمة بغير الغذاء إلى غير ذلك . وقال أهل الشرع : إن ذلك بقدرة الله تعالى ودقيق الطافه وصناعته . وهذا ليس في الحقيقة خلافاً ؛ لاعتراف الفيلسوف بإفاضته تعالى على هذه البنية من القوى ما به تمام نظامها ، وانما الخلاف في أمثال هذه في الايجاب ، فلا يمكن سلبها والاختيار فيمكن . والأدلة عليها متظافرة عقلًا ونقلًا ، وعلى وجود الغاذية وباقي المخدومة ما ذكر من تشرفها في الغذاء والدم . الثاني : قد تقدم أن الكيفيات خادمة مطلقة لهذه القوى ، وانما الكلام فيما يخص ويعم منها . ولهم في تفصيله خبط طويل ذكرناه في كُتبِنا الحكمية كالتذكرة . وحاصله : أن شأن البرودة والتخدير والتسكين والتنكيس ، فلو خدمت الهاضمة لبطل فعلها وبقي الغذاء فجاء كما هو الواقع لمن يشرب قبل الهضم فلا حاجة بها إليها ، وكذا الجاذبة ؛ لأن الجنب حركة وهي شان الحرارة ، فبقي أن تختص البرودة بالماسكة ؛ لاحتياجها إلى السكون والشدة وبالدافعة ؛ لأنها تحتاج إلى القوة . والصحيح : انها في الماسكة أكثر .